اسماعيل بن محمد القونوي

350

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( حين يوحي إليهم من فرط الاستغراق ) هذا منفهم من التعبير بالمرسلون وبقوله لدي قوله من فرط الاستغراق أي بتوجههم الكلي إلى تلقي الوحي وانجذاب أرواحهم إلى عالم الملكوت فيغيب عنهم كل شيء سواه فحينئذ يرد الإشكال بالخوف المذكور فإن قوله تعالى : إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [ النمل : 10 ] خبر والخوف المذكور ينافيه ظاهرا وأشار بعضهم إلى الجواب عنه وهذا باعتبار الأغلب والمعنى لا ينبغي لهم أن يخافوا في تلك الحال بل لا يخطر ببالهم الخوف وإن وجد ما يخاف منه فيندفع رعبه الناشئ عن ظنه ولذا قال أقبل ولا تخف إنك من الآمنين تثبيتا له ولا يخفى ما فيه من التكلف إذ حمل قوله : إِنِّي لا يَخافُ [ النمل : 10 ] الآية على الأغلب بعيد جدا فالأولى الحمل على الاستعارة التمثيلية بأن يقال إنه لما عاين مثل هذه الخوارق وشاهد منها ما لا يسع طوق البشر وقدرته شبه حاله عليه عليه السّلام بحال من يخاف ويهرب بمشاهدة مثل هذه الأمور الغريبة والشؤون العجيبة ويقبل ويدبر ويسرع لظنه أنه أريد به هلاكه فاستعمل ما هو موضوع للمشبه به في المشبه وأما قوله تعالى : خُذْها وَلا تَخَفْ [ طه : 21 ] فمن باب التهييج والتثبيت زيادة الاطمئنان كقوله تعالى : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ البقرة : 147 ] أو المنفي حين استمرار الوحي والخوف المثبت حين ابتداء الوحي كما فيما نحن فيه أو غير الوحي كخوف إبراهيم عليه السّلام من ضيفه المكرمين ونظيره قوله تعالى : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا [ يوسف : 110 ] الآية على وجه حيث قال المص وما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن الرسل ظنوا أنهم أخلفوا ما وعدهم اللّه تعالى من النصر إن صح فقد أراد بالظن ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة هذا وإن المراد به المبالغة في التراخي والإمهال على سبيل التمثيل . قوله : ( فإنهم أخوف الناس من اللّه تعالى ) بيان لتقييد عدم خوفهم بما مر الدال عليه لدي وهو حين الوحي لأنهم أخوف الناس من اللّه تعالى في سائر الأحيان كما قال تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] ولا أعلم باللّه منهم . قوله : ( أو لا يكون لهم عندي سوء عاقبة فيخافوا منه ) هذا جار في الوجهين أي لا تخف من غيري ثقة بي أو مطلقا فإنك آمن من سوء العاقبة في الآخرة كسائر المرسلين فإن لدي بمعنى عند ذكر هنا على سبيل الاستعارة التمثيلية المعبر عنها بالعندية المكانة لا المكاني فينبغي أن يخشاه أولو العزم وغيرهم إنما هو من سوء العاقبة لا الخوف من نحو الحية وغيرها فبهذه الملاحظة يظهر المناسبة للمقام لكن الأول أمس بالمرام ولذا قدمه وبين وجهه قوله فيخافوا بإسقاط النون لأنه جواب النفي وفي نسخة يخافون منه فلا حذف فيه . قوله : فإنهم أخوف الناس من اللّه يعني أن انسلاب الخوف منهم حين الوحي إنما هو لفرط استغراقهم وغفولهم عن أحوالهم وإلا فهم أخوف الناس من اللّه أو لانعدام سوء العاقبة فيهم .